يناقش الباحث تسيغاآب أماري في هذا التحليل التطورات العسكرية المتسارعة حول مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، محذرًا من أن الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة قد يمثل أخطر منعطف في الحرب السودانية منذ سقوط مدينة الفاشر في إقليم دارفور خلال عام 2025. ويرى الكاتب أن أهمية الأبيض لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمتد إلى أبعاد إنسانية وسياسية قد تؤثر في مستقبل السودان بأكمله.
ونشر موقع هورن ريفيو هذا التحليل الذي يتناول التداعيات الاستراتيجية والإنسانية المحتملة لمعركة الأبيض، ويقارن بين الوضع الحالي وسيناريو سقوط الفاشر، مع تسليط الضوء على محدودية الاستجابة الدولية للأزمة السودانية.
الأبيض.. عقدة استراتيجية في قلب السودان
يؤكد التحليل أن المقارنة بين الأبيض والفاشر تتجاوز التشابه العسكري المباشر، لأن موقع الأبيض يمنحها أهمية استثنائية في الصراع الدائر. تقع المدينة عند تقاطع طرق رئيسية تربط كردفان بالخرطوم ووادي النيل، كما تشكل نقطة اتصال مهمة مع المناطق الجنوبية القريبة من حقول النفط على الحدود مع جنوب السودان.
ويشير الكاتب إلى أن الأبيض تمثل مركز العمليات الرئيسي للجيش السوداني في وسط البلاد، ولذلك فإن سقوطها قد يؤدي إلى قطع خطوط الإمداد الغربية للجيش وفقدان بنية القيادة العسكرية الأساسية في المنطقة. كما قد يمنح قوات الدعم السريع امتدادًا جغرافيًا متصلًا يبدأ من دارفور ويمر عبر كردفان وصولًا إلى مناطق أكثر قربًا من الكثافة السكانية الكبرى في السودان.
ويضيف التحليل أن المعركة لم تعد تدور حول قدرة قوات الدعم السريع على تثبيت سيطرتها في الغرب فقط، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الجيش السوداني على الحفاظ على نفوذه في قلب البلاد ومراكزها السكانية الحيوية.
مخاطر إنسانية تتجاوز الحسابات العسكرية
يربط الكاتب بين التطورات العسكرية والمخاطر الإنسانية المتفاقمة في مدينة الأبيض. وتعد المدينة مركزًا رئيسيًا لعمليات الإغاثة الإنسانية في إقليم كردفان، حيث تعتمد عليها شبكات توزيع المساعدات التي تصل إلى مناطق واسعة تعاني أصلًا من أوضاع إنسانية شديدة الصعوبة.
وتستضيف المدينة مئات الآلاف من السكان، بينهم أعداد كبيرة من النازحين الذين فروا من المعارك في مناطق أخرى. ويحذر التحليل من أن أي انهيار أمني أو سقوط محتمل للمدينة قد يؤدي إلى تعطيل عمليات الإغاثة وحرمان أعداد كبيرة من المدنيين من الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.
كما رصد التقرير تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة منذ يونيو، واستهداف منشآت حيوية شملت مستودعات الوقود ومحطات الطاقة، الأمر الذي انعكس على إمدادات المياه والخدمات الصحية. ويرى الكاتب أن هذه التطورات تشير إلى استعدادات عسكرية فعلية تتجاوز مرحلة التهديدات أو التقديرات النظرية.
الفاشر تتكرر والاستجابة الدولية تواجه اختبارًا جديدًا
يستعرض التحليل التحركات الدولية الأخيرة التي شملت تحذيرات من مسؤولين أمميين وبيانات صادرة عن مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن الدولي. ورغم ذلك، يشكك الكاتب في قدرة هذه الإجراءات على منع تكرار ما حدث في الفاشر، حيث فشلت الضغوط الدولية السابقة في وقف العمليات العسكرية أو حماية المدنيين بصورة فعالة.
ويعتبر الكاتب أن تجربة الفاشر تمثل الدليل الأبرز على محدودية تأثير الإدانات الدولية وحدها، إذ شهدت المدينة حصارًا طويلًا واتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق رغم المتابعة الدولية المكثفة. وبعد سقوطها، واصلت قوات الدعم السريع عملياتها العسكرية دون أن تواجه ضغوطًا كافية لتغيير سلوكها الميداني.
ويرى التحليل أن العقبة الرئيسية ليست نقص المعلومات أو الأدلة، بل غياب الإرادة السياسية الدولية لاتخاذ خطوات أكثر تأثيرًا. كما يلفت إلى أن بعض القوى الدولية والإقليمية ما زالت تفضل تجنب المواجهة الدبلوماسية المباشرة بشأن الملف السوداني، الأمر الذي يحد من فعالية أي إجراءات ردع محتملة.
وفي ختام المقال، يشدد الكاتب على أن إنهاء الحرب في السودان يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الضغوط العسكرية أو العقوبات، بل تشمل أيضًا بناء إطار سياسي يضمن حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وإطلاق عملية انتقالية قادرة على استعادة الاستقرار. ويؤكد أن أي تسوية مستدامة يجب أن تعالج الانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع، وأن تمنح القوى المدنية دورًا محوريًا في رسم مستقبل السودان بعد الحرب، لأن استمرار المعادلات الحالية قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع وتعميق معاناة المدنيين.
https://hornreview.org/2026/06/24/el-obeid-and-the-lessons-unlearned-from-el-fasher-in-sudan/

